| مقــــــال العـدد السادس! | ||
|
سلسلة علمتني الحياة (4) للأستاذ/ توفيق الحكيم* ألحياة هدف و إرادة
أعتقد أن
أهم خطوة في حياتي, هي أني استطعت أن أحدد هدفي من الحياة منذ الصبا..
فأني لم أكد أمضي قليلا في مرحلة التعليم الثانوي, حتى وطنت العزم علي
أن أكون أديبا كاتبا, و لم أدر لذلك سببا. فأنا لم أكن من المبرزين في
اللغة و آدابها.. بل كنت تلميذا عاديا. علي أني أذكر ميلي الخاص دائما
إلي الفنون الجميلة منذ الطفولة. فكنت مولعا بالرسم ثم الموسيقي, و لكن
ازدراء أهلي لهذا العمل لم يشجعني علي التشبث به. فلما جاءت مرحلة
المطالعة و وجدت في يدي ما صادفني من كتب و قصص, تيقظ في نفسي حب الفن
في صورة أخري. و كان والدي من رجال القضاء, و لم تكن الجامعة قد أنشئت
في مصر وقتئذ.. فأدخلني مدرسة الحقوق لأصبح فيما بعد مثله من رجال
السلك القضائي. و لكني لم أظهر ميلا إلي القانون, و كان حبي للأدب الفن
قد نما بمطالعتي الكثيرة الخفية. و لحظ والدي مني ذلك, فجعل يحذرني من
سوء المصير إذا انحرفت عن القانون إلي الأدب. و لكني كنت قد قررت في
نفسي مصيري.. و هذا القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه
الأيام, إذا كان صادرا حقا عن إرادة و إيمان. لذلك لا أعرف بالضبط ماذا جنيت من حياتي حتى الآن. فأنا – و قد تجاوزت الخمسين – لا أستطيع أن أقول أني بلغت هدفا. و لكني أستطيع القول أن حياتي كلها قد أنفقتها في السير المضني نحو هدف واحد لا يتغير. و أني لأسأل نفسي أحيانا: هل كنت علي صواب في تركي الأهداف الأخرى التي كان من الممكن أن أنجح في تحقيقها..؟ فأتلقى الجواب من طبيعتي الخاصة أن مجرد النجاح علي إطلاقه ما كان قط يغريني. فالنجاح في الوصول – حتى في مجال الألقاب العلمية و الأدبية و الاجتماعية و غيرها – لا يهمني بقدر ما يهمني تكوين نفسي. و كل نجاح يأتيني عن طريق آخر غير طريق هدفي الحقيقي, و هو تحقيق ذاتي في الخلق الأدبي الفني, هو نجاح لا يستحق في نظري بذل جهدي للحصول عليه, لأني لا أزن الحياة بميزان المنافع العاجلة. فالحياة عندي في جوهرها هي تحقيق ألذات, أي استخراج خير ما في أعماق الإنسان من ملكات. و في الإنسان أحيانا ملكات كاذبة يجب في اعتقادي أن يضحي بها في سبيل إظهار الملكات الأصلية.. حتى و لو كلفه ذلك خسارة مادية أو معنوية.
فكرة
واحدة هي التي تعذبني دائما.. هي احتمال الخطأ في تقدير الملكة و
اختيار الهدف. من أدراني أن ما حسبته ملكة أصلية لم يكن سوي ملكة
كاذبة؟!. و أن تلك الحياة التي ركزتها كلها في استخراج قطعة من حجر
نفيس لم تكن سوى حياة ضائعة هباء؟ عزائي الوحيد هو أني أعتقد أن مجرد
الجهد المبذول في الحفر علي أعماق النفس لاستخراج خيرها هو عمل شريف في
ذاته, حتى و لو كشف في النهاية عن حصى و رمال مخيبة للآمال! |
||
|
copyright© 2005 Ahmad Mohee |
||