| مقــــــال العدد الرابع! | ||
|
سلسلة علمتني الحياة (2) للدكتور/ عبد الرازق السنهوري* الحياة تافهة إذا خلت من مثل أعلي
علمتني الحياة أنني ما حرصت علي بلوغ شيء فبلغته, إلا و أكون بعد بلوغه
قد زهدته و علمتني الحياة أن الناس في درك هاو من الخسة, و في درجة عالية من السمو, ينطوون علي الشر و الخير, و يهبطون بقدر ما يرتفعون. عرفت و أنا شاب في العشرين شابا في سني و قامت بيننا أواصر الود و الصداقة. ثم تنكر لي الصديق, و أبدى من أسباب الجفوة ما دل علي انحطاط في الخلق و دناءة في الطبع, ثم ما لبث هذا الصديق, في ظروف أخري, أن صفا معدنه, و سمت نفسه, فتقدم في ميدان الجهاد, و بذل روحه فداء لوطنه, و مات شهيدا, فعلمت أن الناس لا يخلصون شياطين, و لا يتمحضون ملائكة, و العاقل من لبس الناس علي حالهم, لا يزهد في الصديق و إن بدا شره, و لا يقطع ما بينه و بين الناس لجرح لا يلبث أن يندمل, و لعارض لا يلبث أن يزول. و علمتني الحياة أن حظوظ الناس تبدو متفاوتة أكثر من حقيقتها, و هم في الواقع متقاربون في الشقاء و السعادة.. لكل من حظه ما يسعده و من همه ما يشقيه. عرفت رجلا كثير العيال رقيق الحال, لا يشك من ينظر إليه في أنه ضيق بحظه من الدنيا. و هو لا يكاد يفيق من هم إلا و يعثر في هم. و علمت بعد ذلك أن الرجل ليس من الشقاء بالقدر الذي توحي به حاله. فهو قد ألف ضيق العيش, و وطن نفسه عليه, حتى إذا أصابته نعمة ضئيلة علي غفلة من دهره, كان تقديره لها كبيرا, و فرحه بها عظيما, و ذاق بها السعادة كما ذاق من قبلها الشقاء. و علمت من ثقة أن أحد ملوك المال في مصر – و هو رجل من أقوى الرجال في بلده و من أعرضهم جاها و أوسعهم نفوذا – و قد عرف بالسيطرة علي أقدار الحكومات حتى أنه ليسقط حكومة و يقيم أخري.. هذا الرجل كثيرا ما يخلو إلي نفسه, لينسى سوء حظه و ليبتعد بشقائه عن عيون الناس, بل أنه ليتسلل من سريره في جنح الظلام لينفرد بنفسه و يبكي. و عرفت سيدة كانت تتبرم بما أصابته من مال لا تعرف كيف تستغله. فآمنت بعد كل ذلك أن الناس سواسية في الشقاء و السعادة علي خلاف ما يبدو من تفاوتهم في ذلك و أن في الأرض عدلا بين الناس أكثر مما يظن الناس. و علمتني الحياة أن نجاحي فيها رهن إيماني بنفسي و إيمان الناس بي.. فقد كانت ثقتي بنفسي تدفعني إلي العمل, و كانت ثقة الناس بي تجعلني أطمئن إلي نتيجة عملي. و هذا القدر المتوازن من ثقة الإنسان بنفسه و ثقة الناس به, لابد منه لنجاحه في الحياة.. فان زادت ثقته في نفسه علي هذا القدر, كان ذلك غرورا يضله عن الحقائق. و إن جاوز اعتماده علي ثقة الناس به هذا القدر, بحيث أصبح لا يصدر إلا عن رأى الناس و لا ينزل إلا عند هواهم, كان ذلك ضعفا و اضطرابا يورثان انقيادا و استسلاما. و تابعت في نفسي و في من حولي هذا التوازن, فأدركت أنه ضروري في كثير من الصفات الاخرى. هو ضروري في الواقعية و الخيال فان زادت الواقعية علي الحد الواجب, كان ذلك جمودا و ضيقا في الأفق. و إن زاد الخيال, كان ذلك ميوعة و إغراقا في البعد عن الحقائق. و هو ضروري في المادية و الروحية, فان زادت المادية, كان ذلك بلادة و تنكر للقيم العليا في الحياة, و إن زادت الروحية, كان ذلك عجزا عن مواجهة الحياة في حقائقها المادية. و هو ضروري في الاختلاط بين الناس و الانطواء علي النفس, و إلا كان الإمعان في الاختلاط بالناس إهدار للشخصية, و كان الإغراق في الانطواء علي النفس عزلة ضارة. و مع ذلك لا بد من التسليم بصعوبة أن يجمع الإنسان في نفسه هذا المزاج الموفق من الاعتدال و التوازن, و الأمر الجوهري هو أن يعرف كيف يستطيع أن يتخفف من الإفراط في صفة أو التفريط في أخري. و علمتني الحياة أن الغفلة عن المستقبل هي أهم أسباب الراحة.. و ما تعبت لشيء أكثر من تعبي عندما أفكر في المستقبل. و لعل الموت هو الحقيقة الأولي التي لا يتطرق إليها الشك, و هو المستقبل المحتم. و من نعم الله علي الإنسان أن جعله قادرا علي التغافل عن هذه الحقيقة, و إلا ظل قلقا حائرا لا يفكر إلا في الموت.
و
علمتني الحياة أن النعمة لا أعرف قيمتها إلا عندما تزول. |
||
|
copyright© 2005 Ahmad Mohee |
||