| مقــــــال العدد الثاني! | ||
|
في حقائق الاقتصاد المعاصر ومسألة الربـا * للدكتور/حــازم الببلاوي
تناقش في هذه الآونة
قضايا تطبيق الشريعة الإسلامية. و تعتبر مسألة تحريم الربا و علاقة ذلك
بالمعاملات الجارية و خاصة الفوائد من أكثر الأمور إثارة للجدل و الخلاف. و
إذا كان مفهوم الربا في الإسلام و أنواعه: (ربا الفضل و ربا النسيئة) مما
يحتاج إلي جهود علماء الدين و فقهاء الشريعة, فانه لاشك في أن معرفة حقائق
الاقتصاد المعاصر مما يزيد فهمنا من هذه القضية الحساسة. و لذلك فان الحوار
بين أصحاب التخصصات المختلفة, و خاصة بين علماء الشريعة و رجال الاقتصاد في
هذا الصدد, سيكون له أفضل الأثر في استجلاء النتائج في بينة كاملة عن أحكام الشرع و حقائق العصر. و لست ادعي معرفة خاصة بأحكام الشريعة الإسلامية في
مسألة الربا ولكني اعتقد أن هناك ما يمكن إضافته في هذا الجانب بمزيد من
إلقاء الأضواء علي حقائق الاقتصاد المعاصر, و خاصة فيما يتعلق بمعرفتنا
بظاهرة النقود و طبيعة أسعار الفائدة, و هي التي يجري الحوار حولها عادة عند
مناقشة مسألة الربا.
النقود ليست الثروة:
و نبدأ بتبديد وهم
شائع يخلط بين النقود و الثروة. فالنقود ليست الثروة و إن كانت تعبيرا عنها و
حقا عليها. و قد كان ادم سميث من أوائل من وجهوا النظر إلي خطورة هذا الخلط.
فالثروة هي الإنتاج من سلع و خدمات, و هي الموارد المتوافرة في المجتمع في
لحظة ما. أما النقود فهي تمثل حقا علي هذه الثروة, بمعني أن من يمتلك النقود
له الحق في الحصول علي جزء من الثروة القائمة في شكل سلع أو خدمات أو موارد
متوفرة. فصاحب النقود هو صاحب سهم في الإنتاج القومي لا ينبغي أن يتآكل حقه
بارتفاع الأسعار, فضلا عن أن له الحق في اقتضاء الزيادة مع النمو الاقتصادي و
زيادة الإنتاج القومي. و التمييز بين الثروة و النقود تفرقة أساسية. و يمكن
للتبسيط القول بان العلاقة بينهما كالعلاقة بين العقار و سند الملكية عليه.
العقار هو الثروة, بينما سند الملكية يثبت الحق عليه و يمكن من التصرف فيه,
دون أن يكون للسند في ذاته أدني قيمة بعيدا عن العقار نفسه. فمزيد من إصدار
السندات لن يحل مشكلة الإسكان.
النقود الداخلية و النقود الخارجية:
و قد تغير هذا الأمر
كليا في الوضع الحالي و حيث نعيش في مرحلة النقود الائتمانية, هنا النقود
ليست سلعة, و إنما هي حق تصدره السلطات النقدية, و قد تكون هذه السلطات هي
البنك المركزي أو النظام المصرفي في مجموعه, بل إن التطور الحديث قد أدي إلي
قيام مؤسسات مالية جديدة بإصدار سندات و حقوق لها بعض وظائف النقود. و الجديد
هنا هو أن هذه النقود تصدر من خلال النشاط الاقتصادي و تبادل المديونيات و
الحقوق من خلال المؤسسات المالية, و هي بذلك ليست مستقلة و مفروضة علي
الأجهزة الاقتصادية و إنما هي جزء من نشاطها الجاري. و من هنا فان حجم و قيمة
النقود لم تعودا مستقلتين عن ارادات المؤسسات بل أصبحتا جزءا من أدوات
سياستها الاقتصادية. و لذلك فقد أصبح من المستقر في عالم اليوم أن السياسة
النقدية للحكومات ينبغي أن تؤثر في مستوي النشاط الاقتصادي و مستوي الأسعار. و أما أن النقود كانت سلعة لها قيمة فقد حال ذلك دون التنبه إلي طبيعة النقود الحقيقية كممثل للثروة و من ثم ليس لها قيمة ذاتية غير مشتقة من الثروة التي تمثلها. وقد ساعد هذا علي الخلط بين النقود و الثروة. فالنقود السلعية يتوفر لها في نفس الوقت قيمة ذاتية باعتبارها سلعة و من ثم أمكن الحديث عن قيمة النقود الذاتية و أمكن الحديث عن النقود ضمن المثليات. و لكن النقود الحديثة و قد استقلت تماما عن الفكرة السلعية و لم تعد أكثر من ورقة أو قيد محاسبي لم يعد لها قيمة ذاتية مستقلة, و إنما أصبحت قيمتها مستمدة من قيمة السلع التي تعبر عنها, و هو ما يطلق عليه اسم المستوي العام للأسعار, فقيمة النقود هي قوتها الشرائية.
عبء التضخم:
الفائدة ثمن الزمن و ليست عائد
النقود:
تميز العالم القديم
بالاستقرار و الاستمرار و الرتابة, فالحياة تتكرر و تتماثل دون تغير يذكر.
أما فكرة النمو و التغيير المستمر فهذه من الظواهر الإنسانية الجديدة و التي
ترتبط بالثورة الصناعية و إرهاصاتها. أما قبل ذلك فقد ظلت المجتمعات الزراعية
و الرعوية بشكل عام مستقرة آلاف السنين دون تغيير يذكر. الوقت يمر ولكن الزمن
لا يتغير, فننتقل من لحظة لأخرى و من سنة لأخرى و من جيل لآخر و نحن نكاد
نكرر نفس اللحظات, هناك مرور للوقت و لكن لا تغيير.
و لذلك فان المجتمعات
القديمة و قد كان يشوبها الركود فإنها بنفس المنطق لم تكن تعرف الاستثمار
بمعناه الحديث فيما عدا ما يتعلق بالحد الأدنى للمحافظة و صيانة الإنتاج
الزراعي (ترع و جسور) و الأمن (طرق و قلاع). و في مثل تلك الظروف فان
الاقتراض كان عادة لأغراض الاستهلاك, و ما يحصل عيه المقرض من زيادة علي قيمة
قرضه إنما تعني في الواقع انخفاضا لحقوق الآخرين دون وجه حق. و هكذا فان ما
يحققه أحد من كسب لابد و أن تقابله خسائر من شخص أخر. فهنا النقود حقا لا تلد
و من ثم نفهم الموقف أللأخلاقي للمطالبة بالربا أي بأكثر من الحق. ينبغي من أجل المقارنة بين هذه الإمكانيات أن نكون في وضع نستطيع أن نفضل بين قيمة معينة نحصل عليها بعد سنة أو قيمة أخري نحصل عليها بعد خمس سنوات مثلا. و من أجل ذلك كان لابد للفكر الاقتصادي أن يوجد ثمنا للزمن يعكس التفضيل الزمني بشكل محدد. و هذا هو دور سعر الفائدة. ولذلك نجد أن الرشادة الاقتصادية في حسن استخدام الموارد في مسائل الاستثمار تقتضي وجود ثمن للتفضيل الزمني (سعر الفائدة). ومن هنا نجد أن النظم الاقتصادية المعاصرة, و بدون استثناء, تستخدم أسعار الفائدة أو نظما مقاربة للاختيار بين فرص الاستثمار. و قد واجهت الدول الماركسية مشكلة مماثلة, حيث أن الفكر الماركسي لا يعترف بالفائدة لأنه لا يعتبر راس المال عنصرا منتجا فيما جاوز ما يتضمنه من عمل غير مباشر. و مع ذلك فان المخططين الروس اضطروا لضبط قرارات الاستثمار إلي استخدام معدلات مقابلة لأسعار الفائدة لتحديد قيمة الاستثمار. و هكذا نجد أن فكرة سعر الفائدة باعتبارها ثمنا للزمن و معيارا للتفضيل الزمني أداة فنية لاغني عنها في أي اقتصاد معاصر يواجه مشاكل الاستثمار والنمو.
المخاطر و اليقين: كل هذا يمكن أن يكون مقبولا, و لكن الاعتراض يكمن في المشاركة في نتائج النمو دون تحمل مخاطر, و هذا هو جوهر الفارق بين الفائدة و الربح. و هنا أيضا يمكن القول بان حقائق الاقتصاد المعاصر قد ألقت أضواء جديدة علي معاني المخاطر و اليقين. فالتفرقة لم تعد قاطعة بين عائد ثابت و مخاطر متقلبة. فقد أوضحت تطورات الحياة الحديثة أن هناك فارقا في الدرجة فقط بين اليقين و الاحتمال, ولم يعد اختلافا أساسيا في الطبيعة و النوع. و ما هو احتمالي في عدد محدود من الوقائع يكاد يصبح يقينا في الأعداد الكبيرة. فقد أوضحت قواعد الإحصاء و التأمين أن كثيرا من المخاطر الفردية هي أمور يقينية أو تكاد في الأعداد الكبيرة. كذلك ليس من الصحيح أن الدائن يحصل علي الفائدة دون مخاطر, و أن المستثمر يتحمل مخاطر المشروع. فالحقيقة أن هناك توزيعا للأعباء و المزايا بما يتفق و احتياجات المتعاملين, و في جميع الأحوال يتحمل المقرض و المستثمر معا أنواعا مختلفة من المخاطر, كما يستندان إلي أسباب تدعم الثقة و تقلل هذه المخاطر, فالدائن يتمتع بقدر أكبر من الثقة في حصوله علي العائد من إقراض أمواله بصرف النظر عن نتيجة المشروع. و لكن ليس هذا يقينا كاملا, فهو يتحمل مخاطر المدين نفسه إذا أفلس أو أعسر. فهنا المقرض لا يربط نفسه بائتمان عملية أو نشاط معين, و لكنه يربط نفسه بائتمان المدين نفسه. و قد يكون في ذلك مخاطر ليست باليسيرة. كذلك فان المستثمر بالمشاركة قد يكون تحمله للمخاطر نظريا أكثر منه حقيقيا, كما لو اشتري أسهم شركة مستقرة و لها من الاحتياطيات ما يجعل الحديث عن المخاطر مسألة نظرية. و هكذا يتحمل كل من المقرض و المستثمر بعض المخاطر. يتحمل المقرض مخاطر المدين دون مخاطر النشاط, و يتحمل الشريك مخاطر النشاط دون مخاطر الشريك الآخر بالضرورة.
المصالح المرسلة: و لكن هناك أيضا و بصرف النظر عما تقدم اعتبارات, من المصالح المرسلة التي تقتضي معالجة الأمور بأكبر قدر من التفتح لمراعاة اعتبارات المصلحة العامة في تدعيم الاقتصاد و نموه, و هو ما أطلق عليه الفقهاء اسم المصالح المرسلة. فالحقيقة أن احتياجات الاقتصاد الحديث تتطلب توفير كافة الظروف المناسبة لاحتياجات المدخرين و المستثمرين. و أي نظام اقتصادي يحرم نفسه من الاستفادة من هذه الظروف و الاحتياجات إنما يفوت علي نفسه فرصا طيبة للاستثمار و النمو. و الأمثلة علي ذلك متعددة, فهناك من تتوافر له فوائض ادخارية لفترة محددة يواجه بعدها نفقات واجبة و معروفة. فهل نحول دون استخدام هذه الفوائض في أغراض استثمارية خلال هذه الفترات العاطلة. هناك جمهور من المدخرين (العجائز, الأرامل, القصر) الذين يملكون ثروات عاطلة دون أن يمكن القول بأنهم قادرون علي الاستثمار و المضاربة و حسن اختيار الشركاء و الأنشطة المناسبة. فهل نحرم هؤلاء من فرص الاستثمار و الحصول علي عائد محدود دون مخاطر؟ أم نفرض عليهم خيارا صعبا إما إبقاء أموالهم عاطلة و إما تعريضهم لقرارات استثمارية قد لا يتحملون نتائجها.
و بعد فهذا حديث في
الاقتصاد و ليس في الربا و من باب أولي ليس في أحكام الشريعة الإسلامية و
لكنني لا أشك لحظة في أن حقائق الحياة الاقتصادية المعاصرة قد اختلفت جذريا,
و أن كثيرا من الأسماء و المسميات لم تعد تعبر عن نفس الظواهر القديمة. و
لذلك فان الحوار مطلوب و اجتياز الجسور بين التخصصات أكثر أهمية من أي وقت
مضي. والله أعلم |
||
|
copyright© 2005 Ahmad Mohee |
||