Menu
الصفحة الرئيسية
مقــال العـدد
أرشيف المقالات
شـارك معـنـا
مـن نـحــن
                     مقــــــال العدد الثاني!
 

في حقائق الاقتصاد المعاصر ومسألة الربـا *                                               للدكتور/حــازم الببلاوي

تناقش في هذه الآونة قضايا تطبيق الشريعة الإسلامية. و تعتبر مسألة تحريم الربا و علاقة ذلك بالمعاملات الجارية و خاصة الفوائد من أكثر الأمور إثارة للجدل و الخلاف. و إذا كان مفهوم الربا في الإسلام و أنواعه: (ربا الفضل و ربا النسيئة) مما يحتاج إلي جهود علماء الدين و فقهاء الشريعة, فانه لاشك في أن معرفة حقائق الاقتصاد المعاصر مما يزيد فهمنا من هذه القضية الحساسة. و لذلك فان الحوار بين أصحاب التخصصات المختلفة, و خاصة بين علماء الشريعة و رجال الاقتصاد في هذا الصدد, سيكون له أفضل الأثر في استجلاء النتائج في بينة كاملة عن أحكام الشرع و حقائق العصر. و لست ادعي معرفة خاصة بأحكام الشريعة الإسلامية في مسألة الربا ولكني اعتقد أن هناك ما يمكن إضافته في هذا الجانب بمزيد من إلقاء الأضواء علي حقائق الاقتصاد المعاصر, و خاصة فيما يتعلق بمعرفتنا بظاهرة النقود و طبيعة أسعار الفائدة, و هي التي يجري الحوار حولها عادة عند مناقشة مسألة الربا.
و ينبغي أن نؤكد منذ البداية أن مسألة تحريم الربا ليست قاصرة علي الإسلام, ذلك أن الشرائع و الأفكار السابقة قد جاءت متضمنة إدانة الربا. و إذا كانت اليهودية لم تحرم الربا بصفة عامة فإنها لم تحبذه في تعامل اليهود فيما بينهم, و جاء أرسطو ليعلن حربه علي الربا بقوله: (( إن النقود لا تلد)) ومن ثم فطلب الربا عمل غير أخلاقي لأنه أخذ غير مستحق. ثم جاءت المسيحية متأثرة بأخلاق أرسطو و أدانت الربا أخلاقيا دون أن تصل إلي تحريمه بشكل قاطع. و لذلك فقد امتنع المسيحيون بشكل عام عن الإقراض بالربا و تخصص فيه اليهود لان الكنيسة كانت تربأ بالمسيحي الفاضل أن يتقاضى الربا. و جاء الإسلام فحرم الربا و أحل البيع. وهكذا نجد أن مسألة تحريم الربا قضية عامة تثير من الأخلاق بقدر ما تثير من الاقتصاد.
و مع ذلك فان تطورات الحياة الاقتصادية قد أدت إلي إحداث تغيرات عميقة في العلاقات الإنتاجية و في الظواهر الاقتصادية بحيث يصعب القول بأننا نتحدث عن نفس الشيء عندما نتكلم عن ظاهرة النقود المعاصرة و النقود القديمة. فالحق أننا نكاد نكون بصدد ظواهر جديدة تماما تحتاج إلي كل يقظة و تدبر و ليس إلي التسرع بإلقاء الأحكام السريعة دون إدراك كامل لطبيعة الظواهر التي نتحدث عنها.

النقود ليست الثروة:
فأما عن ظاهرة النقود المعاصرة, فإنها ليست بالبساطة التي يتصورها البعض, حقيقة أننا جميعا نتعامل مع النقود ونتحدث عن النقود يوميا, كما أن اغلبنا يهتم بها و يسعى إليها, و لكن قلة فقط هي التي تعرف حقيقة النقود و دورها في الاقتصاد المعاصر.
و لن أتعرض هنا إلي كل مشاكل النقود المعاصرة, فهذا مجال المؤلفات المتخصصة, و لكني سوف اقتصر فقط علي بعض العناصر التي لا تلقي عادة اهتماما من غير التخصصين, ولكنها ضرورية لإدراك طبيعة النقود المعاصرة.

و نبدأ بتبديد وهم شائع يخلط بين النقود و الثروة. فالنقود ليست الثروة و إن كانت تعبيرا عنها و حقا عليها. و قد كان ادم سميث من أوائل من وجهوا النظر إلي خطورة هذا الخلط. فالثروة هي الإنتاج من سلع و خدمات, و هي الموارد المتوافرة في المجتمع في لحظة ما. أما النقود فهي تمثل حقا علي هذه الثروة, بمعني أن من يمتلك النقود له الحق في الحصول علي جزء من الثروة القائمة في شكل سلع أو خدمات أو موارد متوفرة. فصاحب النقود هو صاحب سهم في الإنتاج القومي لا ينبغي أن يتآكل حقه بارتفاع الأسعار, فضلا عن أن له الحق في اقتضاء الزيادة مع النمو الاقتصادي و زيادة الإنتاج القومي. و التمييز بين الثروة و النقود تفرقة أساسية. و يمكن للتبسيط القول بان العلاقة بينهما كالعلاقة بين العقار و سند الملكية عليه. العقار هو الثروة, بينما سند الملكية يثبت الحق عليه و يمكن من التصرف فيه, دون أن يكون للسند في ذاته أدني قيمة بعيدا عن العقار نفسه. فمزيد من إصدار السندات لن يحل مشكلة الإسكان.
و بالرغم من أن النقود ليست هي الثروة فإنها باعتبارها حقا علي هذه الثروة تلعب دورا أساسيا في حركة الثروة. فباعتبارها حقا و ممثلا للثروة تمكن النقود من انتقال الثروة و توزيع استخداماتها بين الأفراد و النشاطات المختلفة مما له ابعد الأثر علي مستوي النشاط الاقتصادي في مجموعه و من ثم علي نمو الثروة نفسها.
علي أن طبيعة النقود كحق علي الثروة القائمة و من ثم مشاركة في ثروة الاقتصاد القومي لم تكن واضحة في العصور القديمة و بشكل يدعوا للتساؤل عما إذا كنا بصدد نفس الظاهرة الآن أم بصدد ظاهرة جديدة تماما.

النقود الداخلية و النقود الخارجية:
مرت النقود بمراحل متعددة قبل أن تصل إلي شكلها الحالي. و قد ساعدت كل مرحلة من مراحل تطورها علي إدراك بعض خصائص النقود, و كانت كل مرحلة جديدة إيذانا باكتشاف خصائص جديدة للنقود لم تكن واضحة في المراحل السابقة أو لم تكن واضحة بالدرجة الكافية. و لن نتعرض هنا لكل مراحل تطور النقود, و لكننا نشير فقط إلي أن العصور القديمة و التي نوقشت فيها مسألة تحريم الربا كانت كلها تدور خلال مرحلة النقود السلعية. و في هذه المرحلة كان يقوم بوظيفة النقود احدي السلع المتوافرة في المجتمع, الذهب, الفضة, معادن أخري, سلع ذات استخدام شائع مثل الماشية و المحاصيل الزراعية.
و قد تميزت هذه المرحلة النقدية بأمرين أساسين كان لهما تأثير واضح في فهم البشر لمعني النقود, و كلا الأمرين قد تغير في هذه المرحلة النقدية المعاصرة. أما الأمر الأول فهو أن النقود كانت مستقلة و خارجة عن النشاط الاقتصادي الجاري, و أما الأمر الثاني فهو أن النقود و قد كانت سلعة من السلع فقد كان لها قيمة ذاتية مستقلة بصرف النظر عن دورها النقدي. و علينا أن نتناول هذين الأمرين ببعض التفصيل.
فأما أن النقود كانت في هذه المرحلة مستقلة, فان المقصود بذلك هو أنه نظرا لأنه كان يقوم بوظيفة النقود احدي السلع, فان حجم النقود المتداولة كان يرتبط بالمتاح من هذه السلعة, و هو أمر مستقل إلي حد بعيد عن رغبات السلطات النقدية. بل انه في مثل هذه الصورة فان فكرة السلطة النقدية ذاتها تكون غير قائمة أو بدائية. و في مثل هذه الصورة فان حجم و قيمة النقود تفرض نفسها علي النظام الاقتصادي في مجموعه و يتحملها الجميع, حاكما أو محكوما, بائعا أو مشتريا, مقرضا أو مقترضا. ومن هنا جاء تسمية النقود الخارجية.

و قد تغير هذا الأمر كليا في الوضع الحالي و حيث نعيش في مرحلة النقود الائتمانية, هنا النقود ليست سلعة, و إنما هي حق تصدره السلطات النقدية, و قد تكون هذه السلطات هي البنك المركزي أو النظام المصرفي في مجموعه, بل إن التطور الحديث قد أدي إلي قيام مؤسسات مالية جديدة بإصدار سندات و حقوق لها بعض وظائف النقود. و الجديد هنا هو أن هذه النقود تصدر من خلال النشاط الاقتصادي و تبادل المديونيات و الحقوق من خلال المؤسسات المالية, و هي بذلك ليست مستقلة و مفروضة علي الأجهزة الاقتصادية و إنما هي جزء من نشاطها الجاري. و من هنا فان حجم و قيمة النقود لم تعودا مستقلتين عن ارادات المؤسسات بل أصبحتا جزءا من أدوات سياستها الاقتصادية. و لذلك فقد أصبح من المستقر في عالم اليوم أن السياسة النقدية للحكومات ينبغي أن تؤثر في مستوي النشاط الاقتصادي و مستوي الأسعار.
فهل يمكن مقارنة هذا الوضع الجديد بعد أن أصبحت النقود وسيلة تستخدمها السلطات النقدية للتأثير في النشاط الاقتصادي بما كان سائدا عندما كانت النقود السلعية حقيقة خارجية تفرض نفسها علي النظام الاقتصادي.

و أما أن النقود كانت سلعة لها قيمة فقد حال ذلك دون التنبه إلي طبيعة النقود الحقيقية كممثل للثروة و من ثم ليس لها قيمة ذاتية غير مشتقة من الثروة التي تمثلها. وقد ساعد هذا علي الخلط بين النقود و الثروة. فالنقود السلعية يتوفر لها في نفس الوقت قيمة ذاتية باعتبارها سلعة و من ثم أمكن الحديث عن قيمة النقود الذاتية و أمكن الحديث عن النقود ضمن المثليات. و لكن النقود الحديثة و قد استقلت تماما عن الفكرة السلعية و لم تعد أكثر من ورقة أو قيد محاسبي لم يعد لها قيمة ذاتية مستقلة, و إنما أصبحت قيمتها مستمدة من قيمة السلع التي تعبر عنها, و هو ما يطلق عليه اسم المستوي العام للأسعار, فقيمة النقود هي قوتها الشرائية.

عبء التضخم:
و في ضوء ما تقدم و نتيجة للتطورات التي لحقت ظاهرة النقود أصبح من المشروع التساؤل عمن يتحمل عبء التضخم. فإذا لم يكن للنقود قيمة ذاتية مستقلة و كانت قيمتها تتضاءل باستمرار نتيجة للارتفاع المستمر في الأسعار من ناحية, و إذا كان ذلك نتيجة لتصرفات و سياسات السلطات النقدية من ناحية أخري, فما هو المقصود برد المثل دون زيادة أو نقصان؟ و ما المقصود بقيمة النقود هنا , هل هي القيمة الاسمية أي مجرد عدد الوحدات النقدية المكتوبة علي الورقة النقدية أم هي القيمة الحقيقية التي تعبر عن قوتها الشرائية. و إذا كان من الظلم أن يحصل الدائن عل أكثر من دينه فهل من العدل أن يحصل علي اقل من القيمة الحقيقية لدينه. هذه الأسئلة مطروحة و تحتاج إلي تفكير و تأمل, و ليست بسيطة و واضحة و لن يكفي للإجابة علي ذلك مراجعة الكتب القديمة فحسب بل لابد من معرفة الواقع الجديد و هو ما يمكن أن يفيد فيه الاقتصاديون المحدثون.

الفائدة ثمن الزمن و ليست عائد النقود:
الفائدة في الوقت الحالي تعويض عن التضخم من ناحية و عن تفضيل الحاضر علي المستقبل من ناحية أخر. فمع استمرار ارتفاع الأسعار و بالتالي انخفاض قيمة النقود أصبح جزء من الفائدة يغطي مخاطر التضخم. و قد أشرنا إلي أن مشروعية هذا الجزء أمر محل نظر. و لنتناول الجزء الآخر من الفائدة. وهو المتعلق بالتفضيل الزمني بافتراض ثبات مستوي الأسعار.
يمكن القول بأن عبارة ((النقود لا تلد)) لأرسطو تعبر أصدق تعبير عن منطق رفض فكرة الفائدة كثمن للنقود. و لكن هذا المنطق يرتبط بفكرة أخري لا تقل خطورة و هي فكرة ((النمو)) كواحدة من أهم دعائم العصر الحديث.

تميز العالم القديم بالاستقرار و الاستمرار و الرتابة, فالحياة تتكرر و تتماثل دون تغير يذكر. أما فكرة النمو و التغيير المستمر فهذه من الظواهر الإنسانية الجديدة و التي ترتبط بالثورة الصناعية و إرهاصاتها. أما قبل ذلك فقد ظلت المجتمعات الزراعية و الرعوية بشكل عام مستقرة آلاف السنين دون تغيير يذكر. الوقت يمر ولكن الزمن لا يتغير, فننتقل من لحظة لأخرى و من سنة لأخرى و من جيل لآخر و نحن نكاد نكرر نفس اللحظات, هناك مرور للوقت و لكن لا تغيير.
و إذا كانت الثورة الصناعية قد كسرت الركود السابق و أضافت معني النمو إلي الاقتصاد, فقد تم ذلك عبر فكرة الاستثمار. فمن خلال الاستثمارات الجديدة أمكن فتح آفاق جديدة للإنتاج و زيادة الثروة و من ثم تحقيق النمو.

 و لذلك فان المجتمعات القديمة و قد كان يشوبها الركود فإنها بنفس المنطق لم تكن تعرف الاستثمار بمعناه الحديث فيما عدا ما يتعلق بالحد الأدنى للمحافظة و صيانة الإنتاج الزراعي (ترع و جسور) و الأمن (طرق و قلاع). و في مثل تلك الظروف فان الاقتراض كان عادة لأغراض الاستهلاك, و ما يحصل عيه المقرض من زيادة علي قيمة قرضه إنما تعني في الواقع انخفاضا لحقوق الآخرين دون وجه حق. و هكذا فان ما يحققه أحد من كسب لابد و أن تقابله خسائر من شخص أخر. فهنا النقود حقا لا تلد و من ثم نفهم الموقف أللأخلاقي للمطالبة بالربا أي بأكثر من الحق.
و لكن الأمور غير ذلك في الاقتصاد الحديث. و قد اشرنا إلي أن جوهر الاقتصاد الحديث هو الاستثمار, و بدونه لا يتحقق نمو و لا تنمية. و عن طريق الاستثمار يتحقق النمو و يزيد الناتج, و بالتالي فان من حق من ساهم في تمويل هذا الاستثمار أن يشارك في اقتسام نسبة من الزيادة و النمو و التي تحققت- جزئيا- بفضل مشاركته. انه لا يقتطع جزءا أكبر من الكعكة و لكنه يساهم في زيادة الكعكة و يشارك بالتالي في جزء من هذه الزيادة. 
وبصرف النظر عن أي اعتبارات أخلاقية أو أيديولوجية, فان ترشيد قرارات الاستثمار تحتاج إلي معيار للتفضيل بين الحاضر و المستقبل و بين التدفقات المختلفة للسلع و الخدمات في المستقبل في أوقات مختلفة.
فالاستثمار ليس خيارا وحيدا بأن نستهلك ألان أو نستثمر الغد, بل الحقيقة أن هناك فرصا متعددة للاستثمارات المختلفة كل منها يعطي عائدا من السلع و الخدمات المتنوعة في أوقات مختلفة في المستقبل فكيف يمكن الاختيار بينها؟.

ينبغي من أجل المقارنة بين هذه الإمكانيات أن نكون في وضع نستطيع أن نفضل بين قيمة معينة نحصل عليها بعد سنة أو قيمة أخري نحصل عليها بعد خمس سنوات مثلا. و من أجل ذلك كان لابد للفكر الاقتصادي أن يوجد ثمنا للزمن يعكس التفضيل الزمني بشكل محدد. و هذا هو دور سعر الفائدة. ولذلك نجد أن الرشادة الاقتصادية في حسن استخدام الموارد في مسائل الاستثمار تقتضي وجود ثمن للتفضيل الزمني (سعر الفائدة). ومن هنا نجد أن النظم الاقتصادية المعاصرة, و بدون استثناء, تستخدم أسعار الفائدة أو نظما مقاربة للاختيار بين فرص الاستثمار. و قد واجهت الدول الماركسية مشكلة مماثلة, حيث أن الفكر الماركسي لا يعترف بالفائدة لأنه لا يعتبر راس المال عنصرا منتجا فيما جاوز ما يتضمنه من عمل غير مباشر. و مع ذلك فان المخططين الروس اضطروا لضبط قرارات الاستثمار إلي استخدام معدلات مقابلة لأسعار الفائدة لتحديد قيمة الاستثمار. و هكذا نجد أن فكرة سعر الفائدة باعتبارها ثمنا للزمن و معيارا للتفضيل الزمني أداة فنية لاغني عنها في أي اقتصاد معاصر يواجه مشاكل الاستثمار والنمو.  

 المخاطر و اليقين:
و إذا انتقلنا ألان من مستوي الاقتصاد القومي إلي مستوي القرارات الفردية و مدي استحقاق المقرض لفائدة علي قروضه فانه يمكن القول انه من الناحية الأصولية فان المقرض لا يقدم ثروة من مثليات تستحق معادلها عددا مماثلا, وإنما يقدم المقرض حقا علي الثروة القائمة (النقود), و من شأن استخدامها (الاستثمار) أن يزيد من هذه الثروة, و بالتالي فانه يستحق المشاركة في هذه الزيادة. فهو لا يأخذ أكثر مما يستحق, و إنما يحصل علي نصيبه في الكعكة الجديدة.

كل هذا يمكن أن يكون مقبولا, و لكن الاعتراض يكمن في المشاركة في نتائج النمو دون تحمل مخاطر, و هذا هو جوهر الفارق بين الفائدة و الربح. و هنا أيضا يمكن القول بان حقائق الاقتصاد المعاصر قد ألقت أضواء جديدة علي معاني المخاطر و اليقين. فالتفرقة لم تعد قاطعة بين عائد ثابت و مخاطر متقلبة. فقد أوضحت تطورات الحياة الحديثة أن هناك فارقا في الدرجة فقط بين اليقين و الاحتمال, ولم يعد اختلافا أساسيا في الطبيعة و النوع. و ما هو احتمالي في عدد محدود من الوقائع يكاد يصبح يقينا في الأعداد الكبيرة. فقد أوضحت قواعد الإحصاء و التأمين أن كثيرا من المخاطر الفردية هي أمور يقينية أو تكاد في الأعداد الكبيرة.

 كذلك ليس من الصحيح أن الدائن يحصل علي الفائدة دون مخاطر, و أن المستثمر يتحمل مخاطر المشروع. فالحقيقة أن هناك توزيعا للأعباء و المزايا بما يتفق و احتياجات المتعاملين, و في جميع الأحوال يتحمل المقرض و المستثمر معا أنواعا مختلفة من المخاطر, كما يستندان إلي أسباب تدعم الثقة و تقلل هذه المخاطر, فالدائن يتمتع بقدر أكبر من الثقة في حصوله علي العائد من إقراض أمواله بصرف النظر عن نتيجة المشروع. و لكن ليس هذا يقينا كاملا, فهو يتحمل مخاطر المدين نفسه إذا أفلس أو أعسر. فهنا المقرض لا يربط نفسه بائتمان عملية أو نشاط معين, و لكنه يربط نفسه بائتمان المدين نفسه. و قد يكون في ذلك مخاطر ليست باليسيرة. كذلك فان المستثمر بالمشاركة قد يكون تحمله للمخاطر نظريا أكثر منه حقيقيا, كما لو اشتري أسهم شركة مستقرة و لها من الاحتياطيات ما يجعل الحديث عن المخاطر مسألة نظرية. و هكذا يتحمل كل من المقرض و المستثمر بعض المخاطر. يتحمل المقرض مخاطر المدين دون مخاطر النشاط, و يتحمل الشريك مخاطر النشاط دون مخاطر الشريك الآخر بالضرورة.

المصالح المرسلة: 
في كل ما تقدم اشرنا إلي أن حقائق الاقتصاد المعاصر تلقي بظلال جديدة علي الظواهر القديمة. فالنقود الحديثة ليست بالضبط النقود القديمة. و فكرة التماثل في رد القرض لم تعد واضحة في صدد النقود الحديثة. كذلك فان الحاجة إلي معيار لقياس التفضيل الزمني في عصر غلب عليه الاستثمار أمر يفرضه العصر الحديث و لم تعرفه المجتمعات القديمة. كل هذا يجعل الحاجة إلي سعر الفائدة أو إلي معيار للتفضيل الزمني ضرورة فنية لأي اقتصاد حديث. كذلك فان التفرقة بين اليقين و الاحتمال لم تعد بالبساطة, و إن فكرة المخاطر موجودة دائما في كل تعامل مع المستقبل يستوي في ذلك المقرض و المشارك أو المستثمر و إن اختلفت درجة المخاطر. و في كل ذلك كنا نتناول أمورا تتعلق بالأصول و مدي انطباق الأحكام الشرعية علي ظواهر جديدة تماما.      

 و لكن هناك أيضا و بصرف النظر عما تقدم اعتبارات, من المصالح المرسلة التي تقتضي معالجة الأمور بأكبر قدر من التفتح لمراعاة اعتبارات المصلحة العامة في تدعيم الاقتصاد و نموه, و هو ما أطلق عليه الفقهاء اسم المصالح المرسلة.

فالحقيقة أن احتياجات الاقتصاد الحديث تتطلب توفير كافة الظروف المناسبة لاحتياجات المدخرين و المستثمرين. و أي نظام اقتصادي يحرم نفسه من الاستفادة من هذه الظروف و الاحتياجات إنما يفوت علي نفسه فرصا طيبة للاستثمار و النمو. و الأمثلة علي ذلك متعددة, فهناك من تتوافر له فوائض ادخارية لفترة محددة يواجه بعدها نفقات واجبة و معروفة. فهل نحول دون استخدام هذه الفوائض في أغراض استثمارية خلال هذه الفترات العاطلة. هناك جمهور من المدخرين (العجائز, الأرامل, القصر) الذين يملكون ثروات عاطلة دون أن يمكن القول بأنهم قادرون علي الاستثمار و المضاربة و حسن اختيار الشركاء و الأنشطة المناسبة. فهل نحرم هؤلاء من فرص الاستثمار و الحصول علي عائد محدود دون مخاطر؟ أم نفرض عليهم خيارا صعبا إما إبقاء أموالهم عاطلة و إما تعريضهم لقرارات استثمارية قد لا يتحملون نتائجها.  

و بعد فهذا حديث في الاقتصاد و ليس في الربا و من باب أولي ليس في أحكام الشريعة الإسلامية و لكنني لا أشك لحظة في أن حقائق الحياة الاقتصادية المعاصرة قد اختلفت جذريا, و أن كثيرا من الأسماء و المسميات لم تعد تعبر عن نفس الظواهر القديمة. و لذلك فان الحوار مطلوب و اجتياز الجسور بين التخصصات أكثر أهمية من أي وقت مضي. والله أعلم
_____________________
*
نشرت في جريدة الأهرام في 10 أغسطس 1985, و أعيد نشرها في الأهرام الاقتصادي في 6 يوليو 1987, عدد رقم 964.

 

copyright© 2005 Ahmad Mohee