| |
مفهوم 'الآخر' في الإسلام
بقِلم: د. أصغر علي انجنير*
لكُلّ دين مفهومُه الخاصُ عن 'الآخر'، خصوصاً ' فيما يتعلق بديانة هذا
الآخر '.
كما أن أتباع أي تقليد ديني غالبا ما
ينظرون نظرة استصغار إلى التقاليدِ
الدينيةِ الأخرى ككونها تابعة وأقل مصداقية،
إنْ لمْ تكن غير صحيحة!
إن كلّ منا له الأنا الدينيُ الخاصُ به،
مثل الأنا الشخصيِ. و في الحقيقة
فان الأنا الديني لا شيء سوى انعكاس للأنا
الشخصيِ الخاصِ. وهكذا فكلّنا
نَمِيلُ إلى تَمجيد إيمانِنا الدينيِ الخاصِ
أَو تقاليدِنا بينما نبخس من
قيمة إيمان و تقاليد الآخرين.و انه حتى إذا
لم نجِدُ دعمَا مباشرَا "
للأنا
العام ' في كتبنا المقدّسةِ، فإننا نَختارُ بَعْض
الآيات لنفسرها بالطريقة
التي تدعمَ تَفْكيرنا الأنانيِ الخاصِ!
انه من النّادر أن نجد استثناء لهذه
القاعدةِ ماعدا بِضْعَة أفرادِ من
أصحاب العقول المتفتحة.
لقد ظَهرَ الإسلام بين العرب، خصوصاً بين
عرب مكة المكرمة. و مكة المكرمة،
كبلد متقدم على الطريق السريعِ للتجارة
الدوليةِ - إبان القرن السادسِ -
كانت مقُسّمَة إلى القبائلِ الوثنيةِ المختلفةِ
التي تَعْبدُ كل منها
آلهتَها الخاصةَ و مع ذلك فمفهومَ التوحيدِ لم يكن
مجهولَ كليَّاً.
و هكذا في بلاد العرب قَبْلَ الإسلام كان
هناك مفهوم ' الآخر العشائري '
أكثر مِنْ "
الأخر الديني".
و بالرغم من وجود بعض المسيحيين إلا أن وجودهم
لم يكن له أيّ تأثير على المجتمعِ العربيِ.
و في المدينة بالطبع كان هناك حضورُ كبيرُ
لليهود وللعرب الوثنيينِ مِنْ
القبائلِ الأخرى يمثلون وَجودا لمفهوم
" الأخر الديني ".
و على الرغم مِنْ
وَجود مفهوم "
الأخر الديني "
في المدينة، فان النزاع الحقيقي كَانَ بين
القبائلِ وليس بين الأديانِ. و لذا فقد كان
في المدينة المفهوم الحقيقي "للآخر"
هو مفهوم عشائري، أكثر من كونه مفهوم ديني.
و بالرغم من عدم وجود مفهوم
" الآخر الديني "
في مكة المكرمة مطلقاً. إلا
أن هذا كان متسببا في المعارضةُ العنيفةُ
لنبي الإسلامِ عندما بَدأَ بإيصاء
الرسالةِ الموحاة إليه, فقد انتبه عرب مكة
للمرة الأولى لتواجد مفهوم "الآخر
الديني " في وسطِهم
الخاصِ.
إن الإسلام أيضاً، لَمْ يُواجهْ مفهوم
'الآخر الديني ' فيما يتعلق بمكة
المكرمة.لقد كَان ذلك فقط في المدينة عندما
حُرّضَ الإسلامِ ضدّ اليهود.
و الحقَّ انه في بِداية الأمر لم يعامل
النبي الكريم اليهود ككونهم ' الآخر
الديني '. بل حاولَ مكاملتهم في مجتمع سياسي
مركّب خلال ما يُعرف بـ(حلف
المدينة). هذا الميثاقِ الذي عقد بين
المسلمين (كمجتمع ديني حديث الظهور في
أفق بلاد العرب)، و اليهود الذين يَنتمون
إلى قبائلِ مختلفة والوثنيين علي
اختلاف قبائلهم أيضا.
إن ميثاق المدينة هو وثيقة سياسية مهمة
جداً عقدّتْ من قبل النبي (صلي الله
عليه و سلم). وهو يُوضح مدي فطنة النبي
السياسيةَ و تحرُّره نحو "الآخرِ
الدينيِ"
وأيضاً مفهومِه الأكثر حداثة للمجتمع السياسي
المركّب. لقد وَصفَ
هذا المجتمع بالأمة الواحدة.
و في الوقت الذي لم تحصل فيه الأقلّياتِ
الدينيةِ علي أية حقوق سياسية في
الإمبراطورياتِ الأخرى مِنْ العالم
فقد كان لغير المسلمين، في الوثيقةِ،
المَساواة في حقوقَ الأمنِ وأيضاً كان
لهم حقوق سياسيةِ و ثقافيةِ متساوية مَع
المسلمين, وقد ضمنت الوثيقة الحرية
الدينية و الحكم الذاتي الكامل لكل الأطراف!
كما أن الوثيقة كانت تتطلّبَ أيضاً بأنّ
المسلمين وغير المسلمينِ
سَيَحْملونَ السلاح ضدّ عدو الأمة (الذي كَانَ
تعبيراً شاملاً)
وسَيَشتركُون في كلفةِ الحربِ, في الحقيقة لم يكن هناك نظام ضريبي
رسميِ آن
ذاك و من ثمّ كان علي كل الأطراف أنْ يُزوّدا
الأسلحةَ والخيولَ والجِمالَ
لتجهيزات الحربِ.
أيضاً، لقد أكدت الوثيقة بأنّ المسلمين
وغير المسلمينِ كَانوا أصدقاءَ
مخلصينَ بالتعاملاتِ الشريفةِ وبلا خيانةَ.
ورد هذا في الفقرة 37 مِنْ
الوثيقةِ بشكل ملحوظ و ورد أيضاً في الفقرة 45 أن
غير المسلمينِ لَنْ
يُلزَمونَ بالاشتراك في الحروبِ الدينيةِ للمسلمين
ولا المسلمونُ
سَيَلتزمونَ بالاشتراك في النزاعِ الدينيِ للأعضاء
غير المسلمينِ من الأمة.
إن الدين علامةُ الهويةِ و ما أحوجنا - في
ظل هذا التنوع المتزايدِ للهوية -
إلي الحفاظ علي هويتِنا بحماسةِ أكثرِ من الخوفِ من
خسرانها.
إلا أن هناك طريقتان للحفاظ علي الهوية
الدينيةِ: امّا
عَلى نَحوٍ سلبي أَو إيجابي.
الطريق السلبي هو أَنْ نتبنى موقف عدائي
غيرُ مُحترمُ أَو غير معتدل نحو
ألهويات الدينيةِ الأخرى, أما الطريقِ
الإيجابيِ فهو أَنْ نميّز أنفسنا من
خلال تفرديةِ معتقداتنا الدينية بينما نحتفظ
بموقف إيجابي نحو اعتقادات و
هويّاتِ الآخرين. و عادة فان أغلب الناسِ
يَتبعونَ الطريق الإيجابيَ.
لكن كلما اكتشفنا في الديمقراطيةِ وفي
حالةِ التنويعِ للهوية من مصالح
شخصية - سياسية في أغلب الأحيان - تتلاعب
بالهويّاتَ الدينيةَ للدعمِ
أحيانا و اختلاق الصراعات أحيانا أخري. وجب
علي الفرد أَنْ يُواجهَ هذا
التحدي بشكل مستمر في حياته اليومية.
انه أيضاً من الملاحظَ في العالمِ
الديمقراطيِ الحديثِ أنه ليس هناك وجود
لمفهوم ' الآخر السياسي
'.
ومن الواجب ملاحظة أن
"الذمي"
كَانَ صنفاً سياسياً من أكثر الأصناف أهميةً
في وقتِه.حتى أن النبي الكريم (صلي الله
عليه و سلم) قد أَخذَ على نفسه
حِماية الذميين بالكامل وحَثَّ المسلمين
مراراً وتكراراً، كما نَرى في أدبِ
الحديثَ، علي مُعَاملَة الذميين بالمسؤوليةِ
العظيمةِ (كلمة ذمي نفسها تَعْني من
كان عنه المسلمين مسئولون)
لكن اليوم أستبدل هذا الصنفِ بفكرةِ
المواطَنةِ. فكُلّ المواطنون يَجِبُ
أَنْ يَتمتّعوا بحقوقِ متساويةِ سواء دينية
أو ثقافية أو سياسية
فالمواطَنة لا يَجِبُ أنْ تُقرّرَ طبقا لقاعدةِ
الدينِ.
و فيما يتعلق بالمسلمين من حيث أنّهم
يَعِيشونَ في هذا العالمِ المتنوّعِ
إما في حالةِ الأغلبيةِ أَو في حالةِ
الأقليةِ. فحيثما هم يعيشون في
الأغلبيةِ يَجِبُ أَنْ يكُونَ واجبَهم
الدينيَ يتوافق مع روحِ القران و
تعاليم الحديثِ في مُعَاملَة الأقلّياتِ غير
المسلمةِ بأسلوب شريفِ
ومُحترمِ.
و بنفس الطريقة فالمسلمون في حالةِ
الأقليةِ (وبمعنى آخر: حيث يعيش
المسلمون في الأقليةِ) يَجِبُ أَنْ
يَتمتّعوا بحقوقِ ثقافيةِ ودينيةِ
وسياسيةِ متساويةِ.
و طبقاً للقرآنِ الكريم
(ولقد كرمنا بني ادم)
بصرف النّظر عن
طائفتِهم أو مذهبِهم
أو جنسِهم أَو قبيلتِهم. تؤسّسُ هذا الآية مذهبَ
حقوقِ الإنسان بشكل واضح
ومفهومِ.
هكذا احترم الإسلام كلا من
"الآخر الديني والآخر السياسي":
فهو لا يُعامل كلا من
"الآخر الديني أو السياسي"
بأي إحساس بالعداوةِ و لكنه، بالعكس،
يَجْعلُ
لزاما على المسلمين أن يمَنْحوا كُلّ الحقوق إليهم
ويُعاملوهم بالاحترام
الكاملِ. و أن يُؤمنُوا بالحوارِ بدلاً مِنْ
المجابهةِ.
_________________
د. أصغر علي انجنير
مدير المعهد الهندي للدراسات الإسلامية و المقال مترجم من الإنجليزية,
ترجمة/ أحمد محى |
|