| |
سلسلة علمتني الحياة (5)
للأستاذ عباس محمود العقاد*
موقفي من الناس!
علمتني الحياة خطتين في
سياستي مع الناس.. خطة أتبعها فيما يصيبني من الناس, و خطة أتبعها فيما
يصيب الناس مني, فاسترحت كثيرا من تبديد شعوري في غير طائل, و عرفت كيف
يكون الاقتصاد في إنفاق ثروة الحياة.
أما خطتي فيما يصيبني من الناس, فهي أن أتناول طباعهم و أخلاقهم جملة
واحدة.. و لا أفرق بينهم علي حسب اختلاف الأشخاص و الأفراد.
كان الخلق الواحد في مبدأ الأمر يسبب لي الألم و خيبة الرجاء عشرات
المرات بل مئات المرات.. و كنت في كل مرة أشعر بصدمة المفاجأة كأنني
أكتشف شيئا جديدا لم أتوقعه من قبل.
ثم تعودت مع الزمن أن أجعل للناس جميعا حسابا واحدا في رصيد المكسب و
الخسارة, فهبطت الخسارة كثيرا علي الأقل.. و هذا في ذاته مكسب معدود.
تعودت أن أجمع الأخلاق في أنواعها, و أن أضع كل نوع منها تحت عنوانه.
في الناس أنانية.. في الناس صغار.. في الناس سخافة.. في الناس نقائص و
غرائب.. و هكذا, و هكذا.. إلي أخر هذه المألوفات التي توارثناها نحن
أبناء أدم و حواء, فليس فيها من جديد.
فإذا أصابني من الناس شيء مكدر رجعت به إلي عنوانه, فوجدته مسجلا هناك
و لم يفاجئني بما لا أنتظر. في الناس أنانية.. في الناس صغار..نعم..
نعم. و ماذا في ذلك؟ ألم تعلم هذا من قبل؟ بلي, علمته مرة بعد مرة..
فما وجه الاستغراب, و لماذا الألم و الشكوى؟
و راقبت نفسي طويلا فوضعت نفسي في القائمة.. و تعودت أن أقول لها كلما
أصابها ما يكدرها: ( و أنت أيضا كذلك ). فلا محل للحساب و العتاب.
أما خطتي فيما يصيب الناس مني, فهي أن أسأل نفسي كلما شعرت بسخطهم و
انتقادهم: ( هل الأمر يعنيني؟ ) و بعبارة أخري: ( هل يضيرني أن أفقد
رضاهم؟ و هل يعيبني أن أفقده؟ ).
فإذا كان في الأمر ما يضير أو ما يعيب فالأمر يعنيني, و لابد من
معالجته بما أستطيع و إلا فلا وجه للتعب و الاكتراث.
و عولت دائما علي المقياس العملي, لأن الجري وراء النظريات لا ينتهي
إلي غاية.. فكنت أضع أمامي علي الدوام خمسة أو ستة من الذين أعرفهم, و
أعرف أنهم من أصحاب الحظوة عند الناس, و أن الناس لا يسخطون عليهم و لا
ينتقدونهم فأتساءل: ( هل يسرك أن تكون مثلهم, و أن تحصل علي الرضي كما
حصلوا عليه؟ )
و كان جواب هذا التساؤل نافعا لي علي الدوام, لأنه يحدد لي العمل
اللازم, أو يعفيني من كل عمل, و يبين لي في معظم الأحوال أن ثروة الرضي
و الثناء عملة زائفة أو عملة صحيحة علي أحسن الوجوه, و لكن الاستغناء
عنها غير عسير.
و من التجارب الكثيرة في الأشخاص الذين عرفتهم حق المعرفة, تبين لي
أنهم يحتالون, و يتعبون عقولهم و ضمائرهم في الاحتيال طلبا للشهرة التي
لا تهمهم لذاتها, و لكنها تهمهم لغاية يصلون إليها من ورائها.
و حمدت الله لأن تلك الغاية لا تهمني أنا, و لا تستحق عندي أن أبذل
فيها أقل تعب حتى لو استطعته كل لحظة.
و كنت كمن يتمني نصيبا من المال ليشتري به شيئا, ثم علم أن الشيء لا
يستحق الشراء, فاستغني عن المال و استغني عن تمنيه.
خطتان سهلتان: خطة مع الناس و هي أن أجمعهم جملة واحدة.. و خطة مع نفسي
و هي أن تقصر جهودها و همومها علي ما يعنيها. و الخطتان سهلتان كما
قلت, و لكنني لا أنسي أن أقول أنهما سهلتان علي من هو مثلي, مطبوع علي
العزلة و قلة الاختلاط بالناس.
و حب العزلة عادة لم أتعلمها من الحياة, بل أخذتها من أبوي الاثنين
بغير تعليم.
فمن استطاع أن يتعلمهما فليتعلمهما.. إن كانت تعنيه!
______________
*ولد بأسوان في الصعيد
الأعلى سنة 1889. اشتغل بالوظائف الحكومية, و تركها ليشتغل بالصحافة,
ثم اشتغل بالتعليم, ثم كانت الحركة الوطنية فخاض معركة السياسة و انتخب
لمجلس النواب, و عين عضوا بمجلس الشيوخ, فعضوا بمجمع اللغة العربية, و
ألف عشرات الكتب في النثر و النظم تدور حول الموضوعات الأدبية و
الفلسفية و الاجتماعية, و التاريخية, و السياسية, و تراجم المشاهير
منها كتاب عن ( عبقرية محمد ), و كتاب عن ( عبقرية المسيح ), و كتاب (
أبن الرومي ), و كتاب ( فرنسيس باكون ). |
|